الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

179

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

السّلام - وحكم بأنّه يقتل ، ومثل المجمع الملكاني الّذي سجّل عقيدة التثليث . وقوله مِنْ قَبْلُ معناه من قبلكم . وقد كثر في كلام العرب حذف ما تضاف إليه قبل وبعد وغير وحسب ودون ، وأسماء الجهات ، وكثر أن تكون هذه الأسماء مبنيّة على الضمّ حينئذ ، ويندر أن تكون معربة إلّا إذا نكّرت . وقد وجّه النحويّون حالة إعراب هذه الأسماء إذا لم تنكّر بأنّها على تقدير لفظ المضاف إليه تفرقة بين حالة بنائها الغالبة وحالة إعرابها النّادرة ، وهو كشف لسر لطيف من أسرار اللّغة . وقوله : وَضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ مقابل لقوله : قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ فهذا ضلال آخر ، فتعيّن أنّ سواء السّبيل الذي ضلّوا عنه هو الإسلام . والسواء المستقيم ، وقد استعير للحقّ الواضح ، أي قد ضلّوا في دينهم من قبل مجيء الإسلام وضلّوا بعد ذلك عن الإسلام . وقيل : الخطاب بقوله : يا أَهْلَ الْكِتابِ للنّصارى خاصّة ، لأنّه ورد عقب مجادلة النّصارى وأنّ المراد بالغلوّ التّثليث ، وأنّ المراد بالقوم الّذين ضلّوا من قبل هم اليهود . ومعنى النّهي عن متابعة أهوائهم النّهي عن الإتيان بمثل ما أتوا به بحيث إذا تأمّل المخاطبون وجدوا أنفسهم قد اتّبعوهم وإن لم يكونوا قاصدين متابعتهم ؛ فيكون الكلام تنفيرا للنّصارى من سلوكهم في دينهم المماثل لسلوك اليهود ، لأنّ النّصارى يبغضون اليهود ويعرفون أنّهم على ضلال . [ 78 ، 79 ] [ سورة المائدة ( 5 ) : الآيات 78 إلى 79 ] لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ ( 78 ) كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ ( 79 ) جملة لُعِنَ مستأنفة استئنافا ابتدائيا فيها تخلّص بديع لتخصيص اليهود بالإنحاء عليهم دون النّصارى . وهي خبريّة مناسبة لجملة قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ [ المائدة : 77 ] ، تتنزّل منها منزلة الدّليل ، لأنّ فيها استدلالا على اليهود بما في كتبهم وبما في كتب النّصارى . والمقصود إثبات أنّ الضّلال مستمرّ فيهم فإنّ ما بين داود وعيسى أكثر من ألف سنة . و عَلى في قوله : عَلى لِسانِ داوُدَ للاستعلاء المجازي المستعمل في تمكّن الملابسة ، فهي استعارة تبعيّة لمعنى باء الملابسة مثل قوله تعالى : أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ * [ البقرة : 5 ] ، قصد منها المبالغة في الملابسة ، أي لعنوا بلسان داود ، أي بكلامه